عبد الوهاب الشعراني
52
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
قلت : المراد بهذه الخطايا غير خطايا الوضوء التي كفرت بالوضوء نظير ما ورد في سائر المأمورات الشرعية ، فإن كل مأمور يكفر منها خاصا به وفي ذلك رفع التعارض بين الأحاديث الواردة في ذلك ، واللّه أعلم . وروى الطبراني بإسناد لا بأس به مرفوعا : « أوّل ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصّلاة ينظر في صلاته ، فإن صلحت صلح سائر عمله ، وإن فسدت فسد سائر عمله » . وفي رواية أخرى له : « فإن صلحت فقد أفلح ، وإن فسدت فقد خاب وخسر » . قلت : إنما كانت سائر الأعمال تصلح إذا صلحت الصلاة لأنها إذا صلحت وقع الرضا من اللّه على صاحبها ، فانسحب الرضا على سائر أعماله ، وإذا فسدت وقع السخط من اللّه على فاعلها فانسحب ذلك على سائر أعماله ، واللّه أعلم . وروى الطبراني أيضا مرفوعا : « لا إيمان لمن لا أمانة له ، ولا صلاة لمن لا طهر له ، ولا دين لمن لا صلاة له ، إنما موضع الصّلاة من الدّين كموضع الرّأس من الجسد » . والأحاديث في ذلك كثيرة ، واللّه سبحانه وتعالى أعلم . [ ما جعله الشارع مفضولا : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نكون منشرحين لتقديم ما جعله الشارع أفضل على ما جعله مفضولا ، وذلك لأن معظم الفضل والثواب في الاتباع فلا تقدم على صلاة التطوع شيئا إلا إن صرح الشارع بتقديمه عليها ومثل هذا العهد يخل به كثير من الناس ، بل رأيت من هو جالس في جامع كثير الجماعة ، وقد قامت الجماعة العظمى لصلاة العصر وهو جالس يطالع في علم المنطق ، وهذا من شدة عمى القلب ، فإن الشارع جعل لكل عبادة وقتا تفعل فيه مقدمة على غيرها وإن كان هناك أفضل منها ، فليس لنا أن نكرر صلاة العصر مثلا بدل سنتها بل قال ابن عمر : نهانا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن نصلي صلاة العصر في يوم مرتين ، يعني إذا كانت الصلاة الأولى صحيحة إلا أن يصلي الثانية في جماعة ، والعبد تابع للشارع لا مشرع لنفسه حكما فعلم أن الشارع ما سن تلك السنة في ذلك الوقت ذاهلا عن كون أن هناك أفضل منها وإنما ذلك ما علمه بأن فعل المفضول في الوقت الذي شرع فيه مطلوب ، كما أن فعل الأفضل في الوقت الذي شرع فيه مطلوب أيضا . فلا ينبغي لطالب العلم أن يترك النوافل المؤكدة ويشتغل مكانها بعلم إلا إن تعين ذلك عليه بالطريق الشرعي بشرط الإخلاص فيه ، وذلك لئلا يؤدي إلى ترك الاشتغال بالسنن كلها ويفوتها حتى كأنها لم تشرع في حقه أبدا ، هذا مع أنه كثيرا ما يجلس في لهو ولعب وغيبة ونميمة وحسد وفخر وكبر وعجب ، ولا يقول لنفسه قط الاشتغال بالعلم أولى . فلا تلبس على نفسك يا أخي وتقول لمن أمرك بالاشتغال بسنة من السنن المضروب لها وقت الاشتغال بالعلم أفضل مع علمك بعدم إخلاصك فيه ، فإن مثل ذلك ربما يكون حجة في قلة الدين . وتأمل طالب العلم إذا ترك فعل السنن والفضائل وأكثر من الجدال وترك الأوراد السنية كيف يذهب منه الأنس ولا يكاد يعتقد فيه أحد ولا